ظِلال الماضي الذي لم يَمُت
رواية درامية مشوقة
الفصل الأول: المرآة والأقنعة
وقفتُ أمام المرآة في غرفة نومي الفسيحة، تلك الغرفة التي تتسع لعائلة بأكملها، لكنني أسكنها وحيداً منذ سنوات. أعدّلُ ربطة عنقي السوداء بأصابع ترتجف قليلاً، ليس من البرد، بل من شيء آخر لم أستطع تحديده بعد.
نظرتُ إلى انعكاسي في المرآة الذهبية الإطار - تلك المرآة التي اشتريتها من مزاد في باريس بمبلغ يكفي لإطعام قرية لعام كامل. رأيتُ رجلاً في الأربعين من عمره، شعره الأسود بدأت تغزوه خيوط الشيب عند الصدغين، وعيناه.. تلك العينان اللتان كانتا يوماً تشعّان بالحياة، صارتا الآن كبئرين عميقين مظلمين.
"ندى ستتزوج الليلة."
همستُ لنفسي، وشعرتُ بطعنة في صدري. ندى.. المرأة الوحيدة التي أحببتها يوماً، الوحيدة التي رأت فيّ إنساناً قبل أن ترى الملايين. لكنها اختارت أن تتركني. اختارت الفقر على البقاء في قصري!
تذكرتُ يوم طلاقنا قبل ثلاث سنوات. كانت تبكي وهي توقّع الأوراق، لكنها رفضت أن تأخذ مليماً واحداً. قالت لي بصوت مكسور: "المال الذي بين يديك ملعون يا سامر. أشمّ رائحة الدم في كل ركن من أركان هذا القصر."
ظننتُها تتحدث مجازياً عن قسوتي في العمل، عن الصفقات التي سحقتُ فيها منافسيّ. لم أكن أعلم أنها تعرف أكثر مما تُظهر.
هاتفي رنّ فجأة. نظرتُ إلى الشاشة: "رقم مجهول". ترددتُ لحظة ثم أجبت.
"مساء الخير يا سيد سامر." صوت رجل عجوز، أجشّ، فيه نبرة ساخرة. "هل تتذكرني؟"
"من أنت؟"
"أنا الرجل الذي كان يعمل حارساً لوالدك قبل خمسة عشر عاماً. الرجل الذي رأى ما حدث تلك الليلة."
توقف قلبي عن النبض للحظة. أغلقتُ الهاتف بيد مرتعشة وألقيته على السرير كأنه جمرة ملتهبة.
مستحيل. لا أحد رآني تلك الليلة. كنتُ حذراً. كنتُ مثالياً!
تنفستُ بعمق محاولاً استعادة هدوئي. لا بد أنه محتال يريد ابتزازي. نعم، هذا ما يحدث للأثرياء دائماً. سأتعامل معه لاحقاً.
الآن، لديّ مهمة أهم: أن أذهب لحفل زفاف طليقتي وأُريها ما خسرته. أن أقف أمامها ببدلتي التي تساوي ثمن حفلها بأكمله، وأبتسم تلك الابتسامة الباردة التي أتقنتها طوال سنوات.
لكن في أعماقي، كان هناك صوت خافت يهمس: "أنت لا تذهب لتُريها ما خسرته. أنت تذهب لأنك لم تستطع نسيانها. لأنها الشيء الوحيد الحقيقي الذي امتلكته يوماً، وأضعته."
أسكتُّ ذلك الصوت كما أسكتُّ صوت ضميري منذ خمسة عشر عاماً.
نزلتُ الدرج الرخامي العريض، ومررتُ بصورة والدي المعلقة في الصالة الرئيسية. توقفتُ أمامها كعادتي كل يوم. عيناه الصارمتان تحدقان فيّ، كأنهما تعرفان السر الذي دفنته في أعماق روحي.
"سامحني يا أبي." همستُ. "لكنك لم تترك لي خياراً."
الفصل الثاني: العرس والشبح
قُدتُ سيارتي المرسيدس السوداء عبر شوارع المدينة القديمة. كلما توغلتُ في الأحياء الشعبية، كلما ضاقت الشوارع وتكاثرت النظرات الفضولية نحو سيارتي الفارهة. أطفال يلعبون في الأزقة توقفوا ليشيروا نحوي، ونساء على الشرفات يتهامسن.
وصلتُ أخيراً إلى قاعة الأفراح - إن صحّت تسميتها قاعة. كانت مجرد ساحة مكشوفة زُيّنت بأضواء ملونة رخيصة وبالونات بلاستيكية. طاولات خشبية مغطاة بمفارش بيضاء بسيطة، وكراسٍ بلاستيكية خضراء.
ابتسمتُ بسخرية وأنا أنزل من سيارتي. هذا هو المستوى الذي اختارته ندى؟ هذا ما فضّلته على قصري؟
دخلتُ القاعة، وشعرتُ بكل العيون تتجه نحوي. بدلتي الإيطالية السوداء وساعتي الذهبية كانتا كنجمة ساطعة في سماء معتمة. سمعتُ همهمات: "من هذا؟"، "يبدو ثرياً"، "ربما قريب للعروس من الخارج."
لو علموا أنني الرجل الذي كسر قلبها وكسرت هي كبريائي.
رأيتُها من بعيد.
ندى.
جالسة على كرسي العروس المزخرف بالورود الصناعية. فستانها الأبيض لم يكن من تلك الفساتين الباهظة التي رأيتها في حفلات الطبقة الراقية، لكنه كان جميلاً ببساطته. وجهها.. ذلك الوجه الذي طاردني في كل لحظة منذ رحيلها.. كان يشعّ بسعادة لم أرها فيه طوال سنوات زواجنا.
هل كنتُ أنا سبب تعاستها؟
طردتُ هذا السؤال من رأسي وتقدمتُ نحوها بخطوات واثقة. رآني بعض الحاضرين يقتربون وفسحوا لي الطريق، ربما ظنوني ضيفاً مهماً.
وصلتُ إليها. رفعت عينيها ورأتني. للحظة، رأيتُ شيئاً غريباً في نظرتها - لم يكن خوفاً أو غضباً أو حتى مفاجأة. كان شيئاً أشبه بـ... الانتظار؟
"مبروك." قلتُ بصوت عالٍ بما يكفي ليسمعني من حولنا. "أخيراً وجدتِ من يستحق مستوى حياتك الجديد! أتمنى أن يوفر لكِ هذا الفقير ربع ما وفّرته."
انتظرتُ أن ترى الألم في عينيها، أن تتحطم أمامي. لكنها ابتسمت فقط. ابتسامة غامضة أربكتني.
"سامر." قالت بهدوء. "كنتُ أعلم أنك ستأتي. في الحقيقة، كنا ننتظرك."
قبل أن أستوعب كلماتها، شعرتُ بيد تربت على كتفي من الخلف.
التفتُّ.
تجمّد الدم في عروقي.
كان يوسف.
شقيقي الأصغر يوسف الذي اختفى منذ عشر سنوات! الذي بحثتُ عنه في كل مكان - أو هكذا ادّعيت. الذي أعلنت المحكمة وفاته رسمياً قبل خمس سنوات حتى أرث نصيبه من ثروة أبي!
كان يرتدي بدلة العريس.
"أهلاً يا أخي." قال بصوت هادئ مرعب. "افتقدتك."
الفصل الثالث: الأقنعة تسقط
"يوسف؟!" كانت الكلمة أشبه بصرخة مكتومة خرجت من حنجرتي. "كيف... أنت... المحكمة أعلنت..."
"وفاتي؟" أكمل جملتي بابتسامة لا تصل إلى عينيه. "نعم، كان ذلك مريحاً لك، أليس كذلك؟ ورثتَ نصيبي وأغلقتَ الملف."
نظرتُ حولي بذعر. بعض الحاضرين بدأوا ينتبهون لحوارنا، لكن معظمهم كانوا منشغلين بالاحتفال.
"تعال." قال يوسف ممسكاً بذراعي بقوة مفاجئة. "لنتحدث في مكان أكثر خصوصية. لدينا الكثير لنناقشه، أنا وأنت وندى."
قادني إلى غرفة صغيرة خلف القاعة، تبعتنا ندى بخطوات هادئة. أغلق الباب خلفنا، وفجأة شعرتُ بأن الهواء أصبح ثقيلاً.
"عشر سنوات." بدأ يوسف. "عشر سنوات وأنا أخطط لهذه اللحظة. تعرف، بعد أن هربت من البيت تلك الليلة، عشتُ في الشوارع لأشهر. ثم وجدتُ عملاً في مدينة بعيدة، غيّرتُ اسمي، بنيت حياة جديدة من الصفر."
"لماذا هربت أصلاً؟" سألتُ، محاولاً استعادة توازني. "لماذا تركت كل شيء؟"
ضحك ضحكة مُرّة. "لأنني رأيتك، يا سامر. رأيتك تلك الليلة."
شعرتُ بالأرض تميد تحت قدميّ.
"تلك الليلة التي مات فيها أبي." تابع يوسف. "الليلة التي قالوا إنه سقط من درج القبو بالصدفة. كنتُ مختبئاً في الممر المظلم، أسمع صراخكما. سمعتُ أبي يقول إنه سيغيّر وصيته ليحرمك من الميراث بسبب ما اكتشفه عن صفقاتك القذرة. ثم سمعتُ صوت السقوط."
"أنت تتخيل!" صرختُ. "أبي سقط بالصدفة! كان مخموراً و-"
"أبي لم يشرب الخمر في حياته." قاطعني يوسف بهدوء قاتل. "هل نسيت؟ كان رجلاً متديناً. الكحول في دمه الذي ذكره تقرير الطب الشرعي؟ أنت وضعته بعد موته."
صمتُّ. الكلمات علقت في حلقي كالحجارة.
التفتُّ نحو ندى التي كانت واقفة بصمت طوال الوقت.
"وأنتِ؟" سألتها بصوت أجشّ. "كيف تورطتِ في هذا؟"
نظرت إليّ بعينين باردتين لم أعرفهما.
"أنا لم أحبك يوماً، سامر. كل شيء كان تمثيلاً من البداية."
شعرتُ كأن أحداً صفعني بقوة.
"يوسف وجدني قبل ثماني سنوات." تابعت. "أخبرني بالحقيقة عن والده. كنتُ صحفية استقصائية في ذلك الوقت، وقررتُ مساعدته. خطتنا كانت أن أقترب منك، أكسب ثقتك، أجمع الأدلة من الداخل."
"سنوات زواجنا كلها..."
"كانت تحقيقاً مستمراً." أكملت بلا أي ندم في صوتها. "كل قُبلة، كل لحظة حميمية، كل ليلة قضيناها معاً... كنتُ أبحث عن خزائنك السرية، عن مذكراتك، عن أي دليل."
"لكنكِ بكيتِ يوم طلاقنا!" صرختُ. "لا يمكن تزييف تلك الدموع!"
ابتسمت ابتسامة حزينة. "بكيتُ على السنوات الثمينة من عمري التي أهدرتها مع قاتل. بكيتُ لأنني اضطررتُ للنوم بجوار وحش كل ليلة وأتظاهر بالحب."
الفصل الرابع: شبح تلك الليلة
الذكريات هاجمتني كسيل جارف. عدتُ في الزمن خمسة عشر عاماً، إلى تلك الليلة الملعونة.
كنتُ في الخامسة والعشرين، شاباً طموحاً لا يرى في العالم إلا الصعود. والدي، الحاج رشيد، كان رجل أعمال ناجحاً بنى ثروته بالحلال والتعب. كان يخطط للتقاعد وتوزيع الشركة بيني وبين يوسف بالتساوي.
لكنني لم أكن أريد النصف. أردتُ كل شيء.
بدأتُ سراً أعقد صفقات مشبوهة باسم الشركة، أغسل أموالاً لرجال خطرين، أبني إمبراطوريتي الخاصة في الظل. ظننتُ أنني ذكي بما يكفي لإخفاء كل شيء.
لكن أبي اكتشف.
تلك الليلة، استدعاني إلى مكتبه في القبو - ذلك المكتب المعزول الذي كان يحب العمل فيه بعيداً عن ضوضاء البيت. واجهني بالأوراق التي تثبت جرائمي. قال إنه سيبلغ السلطات بنفسه، وأنه سيحرمني من الميراث، وأنني لم أعد ابنه.
"خمسة وعشرون عاماً وأنا أربيك!" صرخ في وجهي. "أعلمك القيم والأخلاق! وفي النهاية تصبح مجرماً؟ لصاً؟"
"أنت لا تفهم!" صرختُ بدوري. "العالم تغير يا أبي! الشرفاء لا يصلون إلى القمة بعد الآن!"
"إذن لا أريدك في القمة!" ردّ بحدة. "أفضل أن يكون ابني فقيراً شريفاً على أن يكون غنياً لصاً!"
ثم قالها. الجملة التي أشعلت النار في رأسي.
"يوسف سيرث كل شيء. أنت لن تحصل على قرش واحد."
يوسف. أخي الأصغر المدلل الذي لم يعمل يوماً في حياته. الذي كان أبي يفضله دائماً لأنه "طيب القلب" و"نقي السريرة". هو سيحصل على كل شيء، وأنا الذي كافحتُ وعملتُ وخططتُ... لا شيء؟
لم أخطط لما حدث بعدها. أقسم أنني لم أخطط.
لكن عندما أدار أبي ظهره ليصعد الدرج، وجدتُ يديّ تمتدان وتدفعانه بقوة.
سمعتُ صوت جسده وهو يتدحرج على الدرجات الحجرية. سمعتُ صوت ارتطام رأسه. ثم... صمت.
نزلتُ الدرج ببطء. كان ملقى في الأسفل، عيناه مفتوحتان تحدقان في السقف، خيط دم ينزف من جبهته.
ارتجفتُ. ماذا فعلت؟
لكن سريعاً، عاد عقلي البارد للعمل. الأدلة. يجب أن أتخلص من الأدلة.
ذهبتُ إلى خزانة الخمور في القبو - تلك الخزانة التي كان أبي يحتفظ بها للضيوف فقط رغم أنه لم يشرب قطرة في حياته. صببتُ الويسكي في فمه، لطّختُ ملابسه به، تركتُ الزجاجة بجانبه.
حادث مأساوي. رجل عجوز سكران سقط من الدرج.
الفصل الخامس: الفخ يكتمل
عدتُ من ذكرياتي إلى الحاضر. كانت ندى ويوسف يحدقان فيّ، ينتظران.
"حتى لو كان كل ما تقولانه صحيحاً،" قلتُ محاولاً استجماع ما تبقى من قوتي، "لا دليل لديكما. مرّت خمسة عشر عاماً. القضية أُغلقت."
ابتسم يوسف ابتسامة لم تُبشّر بخير.
"هل تتذكر المكالمة التي تلقيتها قبل أن تأتي إلى هنا؟ الحارس العجوز؟"
تجمّدتُ.
"اسمه عم صالح. كان يعمل حارساً لأبي تلك الليلة. رآك تخرج من القبو بوجه شاحب. سمع صوت السقطة. لكنه كان يحبك ويحب العائلة، فصمت طوال هذه السنوات."
"صمت حتى وجدتُه أنا قبل عامين." تابع يوسف. "عرضتُ عليه المال، لكنه رفض. قال إن ضميره لم يعد يحتمل. سجّل شهادة مفصّلة بكل ما رآه وسمعه تلك الليلة، موثّقة أمام محامٍ."
شعرتُ بالغثيان يصعد إلى حلقي.
"وهذا ليس كل شيء." أضافت ندى. "خلال سنوات زواجنا، عثرتُ على مذكراتك الخاصة. تلك التي كنتَ تكتب فيها كل شيء. وجدتُ الصفحة التي كتبتها بعد الجريمة بأسبوع. 'فعلتُها. أخيراً الشركة لي وحدي. أبي كان عقبة وأزلتها.' هل تتذكر هذه الكلمات؟"
"تلك المذكرات كانت في خزنتي السرية!" صرختُ.
"السرية؟" ضحكت ندى. "يا سامر، كنتُ زوجتك لخمس سنوات. لا توجد خزنة في ذلك القصر لا أعرف رقمها. صوّرتُ كل صفحة قبل أن أغادر."
أحسستُ بالجدران تنغلق عليّ.
"انتظروا." قلتُ بيأس. "يمكننا التفاوض. لديّ مال... كثير من المال. يوسف، أنت أخي! يمكنني أن أعطيك نصف كل شيء... لا، خذ كل شيء! أنا مستعد-"
"نصف كل شيء؟" قاطعني يوسف بنبرة باردة. "قتلتَ أبي من أجل ألا تعطيني نصف الميراث. الآن تعرض نصف ما سرقته؟"
"لم تفهم بعد، أليس كذلك؟" قالت ندى. "نحن لا نريد مالك الملوث. كل ما نريده هو العدالة."
فُتح الباب فجأة. دخل رجلان في بدلات رسمية.
"السيد سامر رشيد؟" قال أحدهما. "أنا المحقق كريم من قسم الجرائم القديمة. أنت قيد الاعتقال بتهمة قتل والدك الحاج رشيد محمد. يحق لك-"
لم أسمع بقية حقوقي. كان كل شيء يدور حولي. القاعة. الأضواء. وجه يوسف المنتصر. وجه ندى الخالي من أي عاطفة.
ثم لاحظتُ شيئاً.
"انتظروا!" صرختُ فجأة. "يوسف، كيف عرفتَ أنني قتلتُه تلك الليلة إن كنتَ مختبئاً في الممر فقط؟ قلتَ إنك سمعتَ صوت السقطة، لكن ذلك لا يثبت شيئاً. الصوت قد يكون حادثاً فعلاً!"
تبادل يوسف وندى نظرة سريعة.
"أنت محق." قال يوسف ببرود. "أنا لم أرَك تدفعه."
"إذن كيف-"
"لأنك أنت من اعترفتَ للتو." قاطعني. "غرفة التحقيق هذه مزودة بكاميرات صوت وصورة. كل كلمة قلتها في الدقائق الأخيرة مسجّلة. اعترافك الكامل. ذكرياتك التفصيلية. كل شيء."
نظرتُ حولي بذعر. رأيتُ الكاميرا الصغيرة في زاوية السقف. الضوء الأحمر يومض.
لقد كان كل هذا فخاً. الحفل، المواجهة، الاتهامات - كلها مصممة لتجعلني أعترف!
الفصل السادس: المحاكمة
مرّت ستة أشهر.
جلستُ في قفص الاتهام في قاعة المحكمة المزدحمة. كانت الصحف تتحدث عن "قضية العقد" - الملياردير الذي قتل والده من أجل الميراث.
محاميّ فعل ما بوسعه، لكن الأدلة كانت ساحقة: اعترافي المسجّل، شهادة الحارس العجوز، صفحات مذكراتي، وشهادة خبراء أعادوا فحص جثة أبي التي استُخرجت بأمر قضائي وأثبتوا أن إصاباته لا تتطابق مع السقوط العرضي.
ولكن المفاجأة الكبرى جاءت في الجلسة الأخيرة.
"لدينا شاهد أخير، سيادة القاضي." أعلن المدعي العام.
فُتح الباب، ودخل رجل عجوز على كرسي متحرك. لم أتعرف عليه في البداية، ثم...
عمي فاروق!
شقيق أبي الذي قطع علاقته بالعائلة منذ عشرين عاماً بسبب خلاف على أرض!
"سيادة القاضي،" بدأ بصوت واهن، "أنا فاروق رشيد. جئت لأدلي بشهادة كتمتها عشرين عاماً."
نظرتُ إليه بدهشة. ماذا يمكن أن يعرف هذا العجوز؟
"قبل وفاة أخي رشيد بأسبوع،" تابع، "اتصل بي بعد سنوات من القطيعة. كان خائفاً. قال لي إنه اكتشف أن ابنه سامر متورط في أعمال إجرامية، وأنه ينوي حرمانه من الميراث. قال لي حرفياً: 'إذا حدث لي شيء يا فاروق، فاعلم أن سامر وراءه.'"
انهارت الصالة بالهمهمات. القاضي طرق بمطرقته طالباً الهدوء.
"لماذا سكتَّ كل هذه السنوات؟" سأله القاضي.
"لأنني خفتُ." أجاب عمي بصوت مكسور. "سامر أصبح رجلاً قوياً ذا نفوذ. خفتُ على حياتي وحياة أولادي. لكن عندما علمتُ أن يوسف حيّ، وأنه يسعى للعدالة، قررتُ أن أشهد أخيراً."
كانت تلك هي اللحظة التي أدركتُ فيها أن كل شيء انتهى.
الفصل السابع: القصر الخاوي
السجن المؤبد.
هذا كان الحكم. قضيتُ سنتين في انتظار الاستئناف الذي رُفض. الآن، ها أنا في زنزانتي الضيقة، أكتب هذه الكلمات.
سمحوا لي بزيارة واحدة أخيرة لقصري قبل مصادرته لصالح الدولة - جزء من عقوبتي كان استرداد كل ما بنيته بالمال الحرام.
مشيتُ في أروقة القصر للمرة الأخيرة. كل ركن فيه كان يحمل ذكرى. هنا كنتُ أجلس وأحلم بالمزيد. هنا كانت ندى تتظاهر بحبي بينما تجمع الأدلة. هنا علّقتُ صورة أبي وكأنني أكرمه، بينما كنتُ قاتله.
وصلتُ إلى باب القبو. ترددتُ لحظة، ثم فتحته ونزلتُ الدرج ببطء.
لم يتغير شيء منذ تلك الليلة. نفس الدرجات الحجرية. نفس الجدران الرطبة. وصلتُ إلى الأسفل ووقفتُ في المكان الذي وجدتُ فيه جسد أبي.
سقطتُ على ركبتيّ.
للمرة الأولى منذ خمسة عشر عاماً، بكيت.
بكيتُ على أبي الذي قتلتُه. على أخي الذي خسرتُه. على ندى التي لم تحبني يوماً. على نفسي التي ضيّعتها في سبيل مال لم يجلب لي يوماً واحداً من السعادة الحقيقية.
سمعتُ صوت خطوات خلفي. التفتُّ.
كان يوسف.
وقف في أعلى الدرج، يحدّق نحوي بنظرة لم أستطع قراءتها.
"جئتُ لأودّعك." قال. "غداً يبدأ تنفيذ الحكم."
"يوسف..." بدأتُ، لكن صوتي خانني.
نزل الدرج ببطء حتى وقف أمامي.
"أتعرف ما أكثر شيء آلمني؟" قال. "ليس أنك قتلت أبي. بل أنك سرقت مني أخي. كنتَ قدوتي يا سامر. كنتُ أنظر إليك وأحلم أن أصبح مثلك يوماً. ثم اكتشفتُ أن قدوتي وحش."
"أنا آسف." همستُ. كانت أول مرة أقولها وأعنيها.
صمت لحظة، ثم قال: "أتعرف الشيء الغريب؟ رغم كل ما فعلته، أحياناً في الليل، أتذكر أخي الكبير الذي كان يحميني من التنمر في المدرسة. أخي الذي علّمني ركوب الدراجة. أخي الذي كان يخبئ لي الحلوى من أمي."
عيناه لمعتا بشيء يشبه الدموع.
"ذلك الأخ مات قبل أبي بسنوات، أليس كذلك؟ مات عندما سمح للطمع بأن يأكل إنسانيته."
لم أجد ما أقوله.
استدار ليصعد الدرج، ثم توقف.
"ندى حامل." قال دون أن يلتفت. "سنسمّي الطفل رشيد. على اسم أبي. سأربيه على القيم التي أراد أبي أن نتعلمها. سأخبره يوماً عن جدّه العظيم. لكنني لن أخبره أبداً عن عمه."
صعد الدرج واختفى. سمعتُ صوت الباب يُغلق.
بقيتُ جالساً على الأرض الباردة، وحيداً في الظلام، مع أشباح ماضٍ لم يمت.
الفصل الثامن (الأخير): ظلال لا تموت
في زنزانتي الآن، بعد خمس سنوات من الحكم، أكتب هذه السطور الأخيرة.
تعلمتُ شيئاً مهماً: الثروة التي بنيتها كانت سراباً. القصر الذي فخرتُ به صار ملكاً للدولة. الاسم الذي أردتُ أن يهابه الجميع صار مرادفاً للخيانة والجريمة.
بينما يوسف - أخي الذي ظننتُه ضعيفاً - يعيش الآن حياة لم أستطع شراءها بكل ملايين العالم. زوجة تحبه حقاً. طفل يركض نحوه عندما يعود من العمل. ضمير مرتاح يجعله ينام بسلام.
أحياناً، في الليالي الطويلة، يزورني أبي في أحلامي. لا يقول شيئاً. فقط يجلس بجانبي وينظر إليّ بتلك العينين الحزينتين. عندما أستيقظ، أجد وسادتي مبللة بالدموع.
اليوم وصلتني رسالة من يوسف - أول تواصل منذ ذلك الوداع في القبو. صورة واحدة فقط، بلا كلمات.
طفل صغير في حديقة، يضحك بينما يطارد فراشة. طفل اسمه رشيد. ابن أخي الذي لن أقابله أبداً.
نظرتُ إلى الصورة طويلاً، ثم ابتسمتُ للمرة الأولى منذ سنوات.
ربما هذه هي عقوبتي الحقيقية: لا السجن، ولا فقدان المال، بل معرفة أن الحياة استمرت بدوني. أن السعادة موجودة في مكان ما، وأنني اخترتُ أن أكون خارجها.
أغلقتُ عينيّ وتخيلتُ عالماً آخر. عالماً لم أمدّ فيه يدي تلك الليلة. عالماً جلستُ فيه مع أبي وتحدثنا كرجلين بالغين. عالماً بقي فيه يوسف أخي، وندى غريبة لم أقابلها أبداً، وأنا... إنسان عادي بثروة متواضعة وضمير مرتاح.
لكن ذلك العالم لم يوجد إلا في خيالي.
في عالمي الحقيقي، الظلال لا تموت. ظل أبي يلاحقني في كل ركن. ظل ما كان يمكن أن أكونه يسخر مني في المرآة. ظل الماضي الذي لن يُغسل مهما طال الزمن.
وأخيراً فهمتُ جواب السؤال الذي طرحته على نفسي تلك الليلة في قصري:
"من منا كان الفقير الحقيقي؟"
أنا.
كنتُ دائماً أنا.
النهـــاية
"ما نزرعه في الظلام، نحصده في النور. وما نخفيه عن العالم، لا يختفي - بل ينتظر."
"ما نزرعه في الظلام، نحصده في النور. وما نخفيه عن العالم، لا يختفي - بل ينتظر."

تعليقات
إرسال تعليق