ظِلالُ الهاوية
رواية في سبعة فصول
الفصل الأول: اللقاء
كان المعرض يتنفس العتمة حين دخله آدم تلك الليلة الماطرة من نوفمبر. لم يكن من عشاق الفن التشكيلي، لكن شيئًا ما في الإعلان الورقي المبلل الذي التقطه من على الرصيف جذبه بقوة لا يستطيع تفسيرها. "معرض الأرواح المنسية" - هكذا كان عنوانه، وتحته توقيع بخط يدوي مائل: ل. سليمان.
المبنى كان مصنعًا مهجورًا للنسيج، حوّله أحدهم إلى فضاء فني بإضاءة شحيحة متعمدة. الجدران الإسمنتية العارية تحمل لوحات تصرخ بألوان الدم والليل. كل لوحة تحكي موتًا مختلفًا: غرق، سقوط، احتراق، اختناق. لكنها لم تكن مخيفة بالطريقة التي يتوقعها المرء، بل كانت تحمل جمالًا مؤلمًا، كأن الفنان رأى في الموت ما لا يراه الآخرون.
وقف أمام لوحة تصور امرأة تغرق في بحر أسود، يداها ممدودتان نحو السطح، لكن عينيها مغمضتان في سلام غريب، كأنها اختارت القاع. شعر بقشعريرة تسري في عموده الفقري.
"هل تعرف لماذا أغمضت عينيها؟"
التفت نحو مصدر الصوت. كانت تقف خلفه مباشرة، قريبة بما يكفي ليشم عطرها - مزيج من الياسمين وشيء آخر لم يستطع تحديده، شيء معدني خفيف.
لم تكن جميلة بالمعنى التقليدي. وجهها حاد الملامح، عيناها واسعتان بسواد لا قرار له، شعرها أسود طويل يتدلى على كتفيها كستارة من الحبر. لكن حضورها كان طاغيًا، كثقب أسود يبتلع الضوء من حوله.
"لا أعرف"، أجاب بصوت وجده أكثر خشونة مما أراد. "لماذا؟"
ابتسمت ابتسامة لم تصل إلى عينيها: "لأنها لم تكن تغرق. كانت تعود إلى بيتها."
صمت طويل امتد بينهما. ثم مدت يدها: "أنا ليلى. صاحبة هذه الكوابيس المعلقة."
"آدم. مجرد غريب ضل طريقه في ليلة ماطرة."
"لا أحد يضل طريقه إلى هنا يا آدم. الجميع يُقادون."
لم يفهم ما تعنيه، لكنه لم يسأل. شيء ما فيها جعله يشعر أن الأسئلة ستكون خطيرة.
قضيا تلك الليلة يتجولان بين اللوحات. حكت له عن كل واحدة منها: هذه مستوحاة من حادثة قرأتها في الصحف، وتلك من كابوس متكرر، وأخرى من "ذكرى شخصية" لم تشرحها. لاحظ أن يديها ترتجفان قليلًا حين تقترب من لوحة بعينها - تلك التي تصور رجلًا يسقط من ارتفاع شاهق، وجهه مطموس لكن بدلته الرسمية واضحة التفاصيل.
"هل تعرفينه؟" سأل.
تجمدت للحظة، ثم استعادت هدوءها: "كلنا نعرف رجلًا مثله، أليس كذلك؟"
قبل أن يغادر، أعطته بطاقة بيضاء تحمل رقم هاتفها فقط. لا اسم، لا عنوان.
"الفن يحتاج شهودًا يا آدم. هل ستكون شاهدي؟"
حين خرج إلى البرد، لاحظ أن المطر توقف. لكنه لاحظ شيئًا آخر أيضًا: سيارة سوداء متوقفة في الجهة المقابلة، ورجلًا يراقب المبنى. حين التقت عيناهما، أدار الرجل وجهه وابتعد.
لم يفكر آدم في الأمر كثيرًا تلك الليلة. كان مشغولًا بشيء آخر: للمرة الأولى منذ سنوات، شعر أنه على قيد الحياة.
لم يكن يعلم أن تلك الليلة ستكون بداية نهايته.
الفصل الثاني: التشابك
مرت ثلاثة أشهر.
ثلاثة أشهر من المكالمات الليلية التي تمتد حتى الفجر. من القهوة في مقاهٍ مهجورة لا يعرفها أحد غيرها. من ليالٍ تتشابك فيها أرواحهما قبل أجسادهما، كما وصفها هو ذات مرة، فضحكت ضحكة بدت له حزينة.
تعلم أشياء عنها ببطء، كمن يفك شفرة قديمة. عرف أنها يتيمة منذ طفولتها، ربتها خالة قاسية في بيت بارد. عرف أنها درست الفن في باريس لسنتين ثم عادت فجأة دون تفسير. عرف أنها تكره الأماكن المغلقة وتعشق الليل وتتحدث في نومها بلغة لا يفهمها.
لكنه لم يعرف لماذا تختفي أحيانًا ليومين أو ثلاثة دون رد على هاتفها، ثم تعود بعينين منهكتين وتقول فقط: "كنت أعمل."
"أي عمل يستنزفك هكذا؟" سألها مرة.
"النوع الذي يدفع جيدًا."
لم يسأل أكثر.
بدأت الإشارات تتراكم كغبار لا يريد رؤيته. رسائل على هاتفها من أرقام محذوفة. صور في ألبومها لرجال بدلات مختلفة في أماكن مختلفة - مطاعم فاخرة، فنادق، مطارات. حين سألها عنهم، قالت: "عملاء سابقون. أرسم لهم أحيانًا."
"لكنك لا ترسمين بورتريهات."
"أرسم ما يطلبونه."
تلك الليلة، استيقظ في الثالثة صباحًا ووجد جانبه في السرير فارغًا. سمع صوت الماء في الحمام. حين دفع الباب بهدوء، رآها تغسل يديها بعنف، مرة بعد مرة، والماء ينزل أحمر خفيفًا.
"ليلى؟"
التفتت بذعر لم يره في عينيها من قبل، ثم استعادت هدوءها بسرعة مخيفة.
"جرحت يدي بالخطأ. نمت على خاتمي."
نظر إلى يدها. لم ير أي جرح.
في تلك الليلة، تظاهر بالنوم وراقبها. رآها تجلس قرب النافذة لساعات، تحدق في الظلام، تهمس كلمات لم يستطع سماعها. حين عادت للسرير أخيرًا، تظاهر بالنوم، لكن قلبه كان يدق بعنف.
بدأ يلاحظ شيئًا آخر: تلك الرائحة المعدنية الخفيفة في شعرها بعض الليالي. رائحة عرفها من طفولته، من المرة الوحيدة التي رأى فيها حادث سير. رائحة الدم.
"أنتَ تسأل كثيرًا"، قالت له ذات فجر بعد ليلة من الأسئلة الحذرة.
"أنتِ تخفين كثيرًا."
نظرت إليه بعينين باردتين: "كلنا نخفي، يا آدم. الفرق أن بعضنا يخفي أشياء تستحق أن تُخفى."
فتوقف عن السؤال.
لكنه بدأ يراقب.
الفصل الثالث: الجثة الأولى
جاء الخبر في نشرة الصباح، بينما كانا يتناولان الفطور في صمت أصبح عادة بينهما.
"رجل الأعمال البارز سليم الحداد يُعثر عليه ميتًا في شقته"، قالت المذيعة بنبرة محايدة. "الشرطة تشتبه في عملية سطو انتهت بجريمة قتل."
نظر إلى ليلى. كانت تحدق في الشاشة بوجه خالٍ من أي تعبير.
"مسكين"، قالت، ثم عادت لقهوتها.
لم يربط بينها وبين الخبر. لماذا يفعل؟ سليم الحداد كان رجل أعمال فاسدًا بحسب ما قرأ - صفقات مشبوهة، أموال مغسولة، شائعات عن علاقته بالسياسيين الفاسدين. ربما كان له أعداء كثيرون.
لكنه تذكر شيئًا غريبًا: قبل أسبوعين، رأى صورة سليم الحداد في هاتف ليلى. حين سألها، قالت إنه عميل محتمل يريد لوحة لمكتبه.
الآن هو ميت.
مصادفة، أقنع نفسه. مجرد مصادفة.
لكن المصادفات بدأت تتراكم.
بعد ثلاثة أسابيع، قرأ خبرًا صغيرًا في الصفحات الداخلية: "وفاة المحامي عصام كريم في ظروف غامضة." الجثة وُجدت في مكتبه، والشرطة رجحت "نوبة قلبية". لكن صديقًا صحفيًا أخبره لاحقًا أن ثمة آثار مادة غريبة في دمه، وأن الملف أُغلق بسرعة مثيرة للريبة.
تذكر آدم ذلك الاسم. عصام كريم. أين سمعه؟ ثم تذكر: ليلى ذكرته مرة، قالت إنه "رجل قذر" دافع عن متهم بقضية اغتصاب وأخرجه من السجن.
مصادفتان. ما زال بإمكانه إقناع نفسه.
ثم جاءت الجثة الثالثة.
باسم.
صديقه منذ الجامعة. الشخص الوحيد الذي عرّفه على ليلى حين التقيا "مصادفة" في حفل عشاء قبل شهر. تذكر تلك الليلة: كيف نظر باسم إلى ليلى بإعجاب واضح، كيف تبادلا أرقام الهاتف "لأنه يريد لوحة لزوجته"، كيف بدت ليلى متوترة بشكل غريب طوال الأمسية.
بعد أسبوعين من تلك الليلة، عُثر على باسم في سيارته في موقف مهجور. الشرطة قالت: انتحار. جرعة زائدة من الحبوب المنومة.
لكن آدم رأى صور الجنازة. رأى الكدمات الخفيفة على رقبة باسم التي حاول المُغسّل إخفاءها. رأى الخدوش على يديه. هذه ليست آثار انتحار. هذه آثار مقاومة.
ليلة الجنازة، عاد إلى شقته ووجد ليلى جالسة في الظلام.
"أين كنتِ؟"
"هنا. أنتظرك."
"كذب. اتصلت بك عشر مرات."
نظرت إليه بهدوء: "كنت أعمل، قلت لك."
"باسم مات."
"أعرف. قرأت الخبر."
"أنتِ قابلتِه قبل أسبوعين."
صمت طويل. ثم قالت بصوت لا يحمل أي عاطفة: "نعم. كان يريد لوحة."
"والآن هو ميت."
"الناس تموت يا آدم. هذا ما يفعله الناس."
في تلك الليلة، لم يستطع النوم. ظل يفكر في الأسماء الثلاثة. في الروابط الخفية. في الرائحة المعدنية. في العيون الباردة.
بدأ يتتبعها من اليوم التالي.
الفصل الرابع: الظلال
أصبح شبحًا يتبع شبحًا.
ليلة بعد ليلة، كان ينتظرها حتى تغادر شقتها في ساعات متأخرة، ثم يتبعها بحذر عبر الشوارع المعتمة. رآها تدخل مباني لا يعرفها، تلتقي برجال لا يعرفهم، تختفي لساعات ثم تخرج بوجه مختلف - أبرد، أكثر هدوءًا، كأنها خلعت قناعًا وارتدت آخر.
رآها مرة تدخل فندقًا فاخرًا في الحادية عشرة ليلًا. انتظر في سيارته حتى الثالثة صباحًا. خرجت أخيرًا، تمشي بخطوات سريعة نحو سيارتها. لاحظ أنها كانت ترتدي قفازات سوداء لم تكن ترتديها حين دخلت.
في اليوم التالي، قرأ خبرًا صغيرًا: "نزيل فندق يُعثر عليه ميتًا في غرفته. يُشتبه بنوبة قلبية."
رآها مرة أخرى تدخل منزلًا في حي راقٍ. من النافذة، رآها تجلس مع رجل مسن، تصب له كأس نبيذ، تبتسم تلك الابتسامة التي أحبها. بعد ساعة، خرجت وحدها. في اليوم التالي، لم يجد أي خبر عن الرجل. لكنه بعد أسبوع، قرأ في قسم الوفيات: "رجل الصناعة المتقاعد فؤاد سلامة ينتقل إلى رحمة الله بعد صراع مع المرض."
الرجل الذي رآه قبل أسبوع كان يبدو بصحة جيدة.
ثم جاءت ليلة النافورة.
كان يتبعها في حي قديم حين توقفت فجأة أمام نافورة حجرية مهجورة. نظرت حولها للتأكد من خلو المكان - لم تره في الظل - ثم بدأت تغسل يديها في الماء البارد. مرة، مرتين، عشر مرات. حركات طقوسية، كأنها تحاول إزالة شيء لا يُرى.
حين رفعت يديها أخيرًا، رآها تحدق فيهما بنظرة لم يفهمها. حزن؟ اشمئزاز؟ شيء آخر؟
عاد إلى شقتها قبلها. تظاهر بالنوم. سمعها تدخل، تستحم طويلًا، تجلس في الظلام لساعة كاملة قبل أن تأتي للسرير.
في اليوم التالي، انتظر حتى خرجت، ثم بدأ يبحث.
في درج مكتبها، تحت أوراق قديمة ومسودات لوحات لم تكتمل، وجد الدفتر.
غلاف جلدي أسود، صفحات صفراء. بدأ يقرأ:
أسماء. تواريخ. مبالغ مالية.
سليم الحداد - 15 أكتوبر - 50,000
عصام كريم - 3 نوفمبر - 35,000
باسم يوسف - 28 نوفمبر - 40,000
قائمة طويلة. عشرون اسمًا على الأقل. بعضها يعرفه من الأخبار، وبعضها لا يعرفه. كل اسم بجانبه تاريخ ومبلغ. ثم علامة صح صغيرة.
قلب الصفحات بأصابع مرتجفة حتى وصل إلى الصفحة الأخيرة.
اسمه كان هناك.
آدم منصور - ؟؟ - 75,000
بدون تاريخ. بدون علامة صح.
أحس بالغرفة تدور حوله. الهواء أصبح ثقيلًا. فكر في الهرب، في الشرطة، في أي شيء. لكن جسده كان مشلولًا.
سمع صوت المفتاح في الباب.
كانت قد عادت.
الفصل الخامس: الاعتراف
وقفت في عتبة الباب، عيناها على الدفتر المفتوح في يده.
لم تبدُ خائفة. لم تبدُ مذعورة. فقط متعبة، كأن ثقلًا كانت تحمله سنوات قد سقط أخيرًا.
"عرفتَ إذن"، قالت بصوت هادئ، وأغلقت الباب خلفها.
"من أنتِ؟"
تقدمت نحو الأريكة وجلست بهدوء مخيف. "اجلس يا آدم. القصة طويلة."
"لن أجلس. أريد إجابات."
"وستحصل عليها. لكن اجلس، لأنك ستحتاج أن تكون جالسًا لما ستسمعه."
جلس، ليس لأنه أرادها، بل لأن ساقيه لم تعودا تحملانه.
بدأت تتكلم بصوت رتيب، كأنها تروي قصة شخص آخر:
"اسمي الحقيقي لينا، لا ليلى. نشأت في ملجأ للأيتام حتى العاشرة، ثم في بيوت حاضنة متعددة. في الخامسة عشرة، هربت. عشت في الشارع سنة كاملة. ثم وجدني رجل اسمه الحاج سمير."
توقفت، أشعلت سيجارة بأصابع ثابتة.
"الحاج سمير كان يدير شبكة. ليست ما تتخيله - لا مخدرات، لا دعارة. شيء أنظف وأقذر في آن: القتل المأجور. كان يجد الأيتام، المشردين، المنسيين، ويدربهم. علمني كل شيء: السموم التي لا تترك أثرًا، كيف تقتل بطريقة تبدو طبيعية، كيف تختفي، كيف لا تشعر."
"لماذا تخبرينني هذا؟"
"لأنك تستحق أن تعرف قبل أن تقرر."
"أقرر ماذا؟"
نظرت إليه بعينين تلمعان بشيء يشبه الدموع: "إن كنت ستسلمني للشرطة، أو..."
"أو ماذا؟"
"أو ستفهم."
ضحك ضحكة مريرة: "أفهم ماذا؟ أنكِ قاتلة؟ أنكِ قتلتِ صديقي؟ أن اسمي في قائمة الموت الخاصة بكِ؟"
"باسم..." توقفت، بلعت بصعوبة. "باسم لم يكن بريئًا يا آدم. هل تعرف لماذا دُفع لي لقتله؟ لأنه كان يبتز النساء. صور، فيديوهات، تهديدات. إحداهن انتحرت بسببه. أختها الصغرى هي من دفعت."
"هذا لا يبرر..."
"لا شيء يبرر. أنا لا أبرر. أنا فقط أشرح." أطفأت السيجارة. "كل اسم في ذلك الدفتر له قصة. سليم الحداد كان يتاجر بالبشر. عصام كريم أخرج قتلة ومغتصبين من السجن بالرشوة. لستُ ملاكًا يا آدم، لكنني لم أقتل أبرياء قط."
"وأنا؟ ما ذنبي الذي يستحق 75,000؟"
صمت طويل. ثم قالت بصوت أضعف مما سمعه منها من قبل:
"لا ذنب لك. أنت... أنت كنت خطأي الوحيد."
"ماذا تعنين؟"
"أحدهم دفع لي لأقتلك. قبلت المهمة قبل أن أعرفك، قبل المعرض، قبل كل شيء. كان من المفترض أن أقترب منك، أكسب ثقتك، ثم أنهي الأمر. لكنني..."
دمعة واحدة سالت على خدها. مسحتها بغضب.
"وقعتُ في الخطأ الذي يُنهي أمثالي. أحببتك. حقًا أحببتك. وللمرة الأولى في حياتي، لم أستطع إكمال مهمة."
وقف، يرتجف: "من؟ من دفع لكِ؟"
نظرت إليه طويلًا قبل أن تجيب:
"والدك."
الفصل السادس: الحقيقة
العالم توقف.
"والدي؟"
"منذر منصور. رجل الأعمال الكبير. نعم."
"مستحيل. لماذا يريد أبي قتلي؟"
وقفت وذهبت إلى حقيبتها، أخرجت ملفًا ورقيًا وألقته على الطاولة أمامه.
"لأنك لست ابنه."
فتح الملف بأصابع ترتجف. تقارير طبية، فحوصات DNA، رسائل قديمة.
"والدتك كانت لها علاقة قبل ثلاثين سنة. مع شريك والدك في العمل، كمال راشد. أنت ثمرة تلك العلاقة. والدتك أخفت الأمر كل هذه السنوات، لكن قبل أن تموت العام الماضي، اعترفت له في لحظة ندم."
تذكر آدم أمه في أيامها الأخيرة، تهذي بكلمات لم يفهمها، تبكي وتطلب المغفرة من "منذر" الذي لم يكن في الغرفة.
"والدك - منذر - جُن جنونه. لكنه رجل يحسب كل شيء. لو طلقها أو فضحها، لكانت الفضيحة عليه. لو حرمك من الإرث، لأثار الشكوك. فقرر أن يتخلص منك بطريقة تبدو طبيعية، ويرث كل شيء قبل أن يكتشف أحد الحقيقة."
"لكن... لكنه أبي. ربّاني ثلاثين سنة..."
"ربّى ابن رجل آخر ثلاثين سنة. هذا ما يراه هو. الخيانة أعمته عن كل شيء آخر."
جلس آدم، رأسه بين يديه. العالم الذي عرفه كان ينهار قطعة قطعة.
"لماذا تخبرينني؟ لماذا لم تقتليني وتنتهي؟"
جلست قربه، للمرة الأولى لمست يده بحنان حقيقي: "لأنني حين نظرت في عينيك تلك الليلة في المعرض، رأيت شيئًا لم أره من قبل. رأيت شخصًا ينظر إليّ لا إلى قناعي. شخصًا يرى الوحش ويبقى."
"أنتِ قاتلة."
"وأنتَ ابن خيانة. كلانا يحمل ذنوبًا لم يختارها."
صمت طويل.
ثم سأل: "ماذا الآن؟"
"الآن لدينا خياران. إما أن تذهب للشرطة، وأُعدم، ووالدك يجد طريقة أخرى لقتلك - لأنه سيفعل. أو..."
"أو؟"
"أو ننتهي من هذا معًا."
"ماذا تعنين؟"
نظرت في عينيه بثبات: "والدك لن يتوقف. سيرسل غيري. لكن لدي شيء يمكن أن يوقفه: دليل على كل جريمة ارتكبها طوال ثلاثين سنة. غسيل الأموال، الرشوة، صفقة الأسلحة في التسعينيات. كنت أجمعها للحماية، لكنني لم أستخدمها قط."
"تريدين ابتزازه؟"
"أريد تدميره. قبل أن يدمرك."
قام، مشى نحو النافذة، حدّق في المدينة النائمة.
"كل حياتي كانت كذبة. أبي يريد قتلي. المرأة التي أحببتها قاتلة مأجورة. ماذا تبقى؟"
وقفت خلفه: "تبقى أنت. وتبقى أنا. واحتمال - ضئيل جدًا - أن نخرج من هذا أحياء."
"وإن لم نخرج؟"
"على الأقل لن نموت وحدنا."
الفصل السابع: السقوط
استغرق الأمر أسبوعين.
أسبوعين من التخطيط الدقيق، من جمع الأدلة، من المكالمات السرية مع صحفيين موثوقين. ليلى - لينا - أعطتهم كل شيء: الوثائق، التسجيلات، الشهادات.
العاصفة انفجرت صباح الثلاثاء.
العناوين في كل مكان: "إمبراطورية منذر منصور تنهار: فساد، غسيل أموال، واتهامات بالتحريض على القتل." تجمدت حساباته. صدرت مذكرة توقيف. لكن حين وصلت الشرطة إلى قصره، وجدوه قد هرب.
اختفى كالدخان.
لكنه ترك رسالة لآدم. رسالة واحدة على هاتفه:
"ظننتَ أنك انتصرت؟ الدم لا يكذب يا آدم. لستَ ابني، ولن تكون. وحين أجدك - وسأجدك - ستتمنى لو أن تلك العاهرة أنهت مهمتها."
عرفوا أنه لن يتوقف. عرفوا أن المال يشتري كل شيء - حتى الوصول من المنفى.
في الأسبوع التالي، نجا آدم من محاولتي اغتيال: دهس بسيارة مسروقة، وطلق ناري في موقف سيارات. حارس أمن مات بدلًا منه في المرة الثانية.
"لا يمكننا الاستمرار هكذا"، قالت لينا ذات ليلة.
"ماذا تقترحين؟"
"الاختفاء. هويات جديدة، بلد جديد، حياة جديدة. لدي الاتصالات والمال المخبأ. يمكننا أن نصبح شخصين آخرين."
فكّر في الأمر طويلًا. حياة جديدة. نسيان كل شيء. البدء من الصفر.
"وأنتِ؟ هل ستتوقفين عن..."
"لا أعرف"، اعترفت. "هذا كل ما أعرفه. لكنني أريد أن أحاول. من أجلك. من أجلنا."
في الليلة الأخيرة قبل المغادرة المخططة، صعدا إلى سطح مبناها القديم. المدينة تحتهما بحر من الأضواء، والسماء صافية بشكل غريب.
"هل تندمين؟" سألها.
"على أي شيء تحديدًا؟"
"على كل شيء. على القتل. على البدء بمهمة قتلي. على الوقوع في الحب."
صمتت طويلًا، تحدق في الأفق.
"على القتل؟ أحيانًا. على البدء بمهمتك؟ لا، لأنها قادتني إليك. على الوقوع في الحب؟" نظرت إليه بعينين لامعتين. "أبدًا. هذا الشيء الوحيد الصحيح الذي فعلته في حياتي."
ثم رأت شيئًا خلفه. تجمد وجهها.
"آدم..."
التفت.
والده كان يقف عند باب السطح. ومعه مسدس.
"ظننتَ أنني سأهرب هكذا؟" قال منذر بصوت هادئ. "أنا لم أهرب من شيء في حياتي. لقد انتظرت فقط اللحظة المناسبة."
"كيف وجدتنا؟"
"المال يشتري كل شيء يا بني - أقصد، يا آدم. حتى ولاء الجيران."
رفع المسدس. "أنتَ أولًا. ثم هي. ثم سأختفي إلى بلد لا يُعيدني. لدي ما يكفي من المال لعشر حيوات."
لينا تحركت بسرعة لم يتوقعها أحد. ألقت بنفسها أمام آدم في اللحظة التي أُطلقت فيها الرصاصة.
سقطت.
آدم صرخ، ارتمى فوقها. منذر تقدم، يصوب للإطلاقة الثانية.
لكن لينا، حتى وهي تنزف، كانت أسرع. مسدس صغير كانت تخفيه. طلقة واحدة.
سقط منذر.
لكنها كانت تنزف كثيرًا. الرصاصة في صدرها.
"لينا... لينا ابقي معي..."
ابتسمت، دم على شفتيها: "قلت لك... الشيء الوحيد الصحيح..."
"لا، لا، سأتصل بالإسعاف..."
أمسكت يده بقوة مفاجئة: "آدم... اسمع... في حقيبتي... عنوان ومفتاح... شقة في لشبونة... هوية جديدة... كل شيء جاهز..."
"سنذهب معًا..."
"لا." دمعة واحدة. "أنا لن... لم أكن سأستطيع التوقف، آدم. هذا ما لم أقله لك. الوحش لا يُروَّض. لكنك... أنت تستطيع أن تعيش."
"لن أتركك..."
"لم تتركني. أنت الشيء الوحيد... الذي جعلني أتمنى... لو كنت مختلفة."
عيناها بدأتا تُغلقان.
"لينا!"
آخر كلماتها كانت همسة: "حين تُطيل التأمل في الشيطان... أحيانًا... تجد شيئًا يستحق الحب..."
ماتت بين ذراعيه.
الخاتمة
بعد سنة.
يجلس رجل في مقهى صغير يطل على البحر في لشبونة. اسمه في الوثائق دانييل سوزا. يرسم في دفتر صغير - وجوهًا، مناظر، وأحيانًا امرأة بشعر أسود وعينين واسعتين.
على الطاولة أمامه، صحيفة برتغالية. في زاوية صغيرة، خبر عن معرض فني مجهول الفنان في مصنع مهجور في مدينة عربية بعيدة. اللوحات تحكي قصة حب وموت وخلاص.
ابتسم ابتسامة حزينة.
في جيبه، خاتم فضي كانت ترتديه. على معصمه، وشم صغير بخطها: "الشياطين أيضًا تستحق الحب."
نظر إلى البحر.
في مكان ما في أعماقه، المرأة التي أحبها ما زالت تسبح - لا تغرق، بل تعود إلى بيتها.
وهو، للمرة الأولى في حياته، يشعر أنه وجد بيته أيضًا.
"حين تُطيل التأمل في الشيطان، فإن الشيطان يُطيل التأمل فيك.
لكن أحيانًا - في أحيان نادرة - يُطيل التأمل في شيء آخر:
في الإنسان الذي كان يمكن أن يكونه."
النهاية

تعليقات
إرسال تعليق